مباشر: تتجه سوريا إلى إعادة هيكلة سوق الصرف عبر إطلاق نموذج جديد يقوم على التداول الفعلي للعملات الأجنبية، في تحول لافت عن آليات التسعير المركزي، بهدف بناء سوق أكثر كفاءة تخدم الاقتصاد الحقيقي.
وقال حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، إن النظام الجديد لا يقتصر على منصة إلكترونية، بل يمثل سوقًا متكاملة تضم المصارف وشركات الصرافة والمستوردين والمصدرين، حيث يتم تحديد أسعار الصرف وفق آليات العرض والطلب، تحت إشراف المصرف المركزي دون تدخل مباشر في التسعير.
وأوضح في تصريحات صحفية أن هذه الخطوة تمثل تحولًا عن السياسات السابقة التي اعتمدت على تحديد السعر رسميًا، وهو ما تسبب في تشوهات بالسوق، خاصة مع استمرار الاستيراد بأسعار غير واقعية، ما ساهم في تفاقم العجز التجاري وخلق اختلالات هيكلية.
سوق يقودها المتعاملون
ومن المقرر أن تضم السوق ثلاثة أطراف رئيسية هي البنوك وشركات الصرافة والمستوردون والمصدرون، إلى جانب تشكيل لجنة استشارية تشمل ممثلين عن هذه الجهات وغرف التجارة والصناعة وخبراء اقتصاديين لمتابعة إطلاق السوق.
وسيتم تحديد الأسعار بشكل لحظي بدءًا من سعر مرجعي، قبل أن تقوم قوى العرض والطلب بتعديله وفقًا لحالة السوق، في إطار استهداف تحقيق توازن وعدالة في تسعير العملة.
وأشار الحصرية إلى أن إحدى كبرى الشركات العالمية ستسهم في دعم إنشاء السوق، دون الكشف عن هويتها.
إدراج الذهب وتعزيز الرقابة
ويتضمن النموذج الجديد إدراج الذهب ضمن السوق، باعتباره جزءًا من الاحتياطيات الوطنية، مع تنظيم تداوله وفق معايير دولية، استنادًا إلى قانون صدر عام 2023 ينظم دخوله وخروجه.
كما ستخضع المشاركة في السوق لضوابط صارمة تتعلق بمكافحة غسل الأموال والامتثال، مع التوسع في منح التراخيص لشركات الصرافة، بما يسهم في تنظيم القطاع والحد من السوق غير الرسمية.
إعادة الاندماج المالي
ويرى الحصرية أن إطلاق سوق منظمة وشفافة يمثل خطوة أساسية لإعادة بناء علاقات المراسلة المصرفية مع الخارج، حيث تعطي البنوك الدولية أولوية كبيرة لمعايير الامتثال والشفافية.
وأضاف أن هذه الخطوة قد تسهم في إعادة دمج سوريا تدريجيًا في النظام المالي العالمي، خاصة مع تحركات سابقة شملت استئناف محدود للتحويلات عبر نظام “سويفت”، وفتح قنوات تعامل مع بعض البنوك الخارجية، إلى جانب فتح حسابات للمصرف المركزي لدى بنوك مركزية إقليمية ودولية.
مؤشرات لقياس النجاح
وحدد الحصرية مجموعة من المؤشرات لقياس نجاح السوق، تشمل زيادة عدد المشاركين، وارتفاع حجم التداول، وتراجع السوق الموازية، إضافة إلى تقليص الفجوة بين سعري البيع والشراء.
وأكد أن المرحلة الحالية تمثل “مرحلة كسب ثقة” داخليًا وخارجيًا، مشيرًا إلى أن بناء سوق صرف منظمة يعد ركيزة لتعزيز فعالية السياسة النقدية.
ضغوط مستمرة على الليرة
وفيما يتعلق بسعر الصرف، أشار الحصرية إلى أن التوترات الإقليمية، خاصة في الخليج، شكلت ضغوطًا على الليرة السورية، مؤكدًا أن العوامل السياسية والاقتصادية تلعب دورًا رئيسيًا في تحديد مسار العملة.
واعتبر أن التوقعات بوصول سعر الدولار إلى مستويات مرتفعة مبالغ فيها، مشددًا على أن الأداء الفعلي للاقتصاد هو العامل الحاسم، لافتًا إلى تحقيق قدر من الاستقرار النسبي خلال العام الماضي رغم تحديات مثل الجفاف وتراجع الإنتاج الزراعي.
ويأتي هذا التوجه في ظل استمرار الضغوط على الليرة، واتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، التي ظلت لسنوات المرجع الفعلي للتسعير، وسط قيود على تداول العملات الأجنبية وتراجع دور القنوات المصرفية الرسمية.