مباشر- عبده أحمد: تمضي المملكة العربية السعودية بثبات في تنفيذ واحد من أكبر برامج التحول الاقتصادي على مستوى العالم، مستندة إلى رؤية السعودية 2030، التي تستهدف إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد الوطني، وتقليص الاعتماد التاريخي على النفط، وبناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعاً واستدامة.
مع مرور ما يقارب عقداً على الرؤية، بات التحول توجه استراتيجي تدعمه مؤشرات أداء قوية وتغيرات ملموسة في بنية الاقتصاد، تعكس انتقال المملكة تدريجياً من نموذج اقتصادي ريعي إلى نموذج أكثر اعتماداً على الإنتاجية والاستثمار والقطاع الخاص.
نمو اقتصادي بأعلى وتيرة في 3 سنوات
سجل الاقتصاد السعودي خلال عام 2025 نمواً حقيقياً بلغ 4.5%، وهي أعلى وتيرة نمو خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فيما نما الناتج المحلي الإجمالي في الربع الرابع من العام نفسه بنسبة 4.9% على أساس سنوي؛ ما يعكس استمرار الزخم الاقتصادي.
وجاء هذا الأداء مدعوماً بتوازن لافت بين القطاعين النفطي وغير النفطي؛ إذ حققت الأنشطة النفطية نمواً سنوياً بلغ 5.6% في 2025، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً قوياً عند 4.9%.
وفي الربع الرابع، ارتفعت الأنشطة النفطية بنسبة 10.4%، مقابل 4.1% للأنشطة غير النفطية، في حين تراجعت الأنشطة الحكومية بنسبة 1.2%؛ ما يعكس تنامي دور القطاع الخاص والأنشطة الإنتاجية في قيادة الاقتصاد بدلاً من الاعتماد التقليدي على الإنفاق الحكومي.
الاقتصاد غير النفطي يرسّخ مكانته
وتؤكد المؤشرات الرسمية أن الاقتصاد السعودي يواصل تعزيز قاعدته غير النفطية.
ووفق التقرير السنوي لرؤية 2030، تجاوزت الأنشطة غير النفطية نصف الناتج المحلي الإجمالي؛ لتصل إلى 51% من الناتج الحقيقي في 2024، مقارنةً بـ47% في 2016، في دلالة واضحة على عمق التحول الهيكلي الجاري.
وفي السياق نفسه، أشار وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، إلى أن اعتماد الاقتصاد السعودي المباشر وغير المباشر على النفط تراجع من أكثر من 90% قبل إطلاق الرؤية إلى نحو 68% حالياً.
أكد على أن الأنشطة غير النفطية تمثل 56% من الناتج المحلي الحقيقي؛ وهو ما يعكس ارتفاع مرونة الاقتصاد السعودي وقدرته على النمو بوتيرة أكثر استدامة.
3 مراحل تقود التحول
صُممت رؤية 2030 على ثلاث مراحل رئيسية، تمتد كل منها لخمس سنوات.
وانطلقت المرحلة الأولى بإصلاحات هيكلية واقتصادية ومالية واجتماعية واسعة، فيما ركزت المرحلة الثانية على تسريع التنفيذ وتعظيم العائد من القطاعات ذات الأولوية.
أما المرحلة الثالثة، فتستهدف ترسيخ استدامة التحول واستثمار فرص النمو الجديدة، خاصة في القطاعات الواعدة والاقتصاد المعرفي.
إيرادات الدولة.. تنويع متسارع
وعلى صعيد المالية العامة، تواصل المملكة إحراز تقدم لافت في تنويع الإيرادات الحكومية، عبر توسيع قاعدة الدخل غير النفطي مدفوعة بإصلاحات مالية وهيكلية، من بينها الضرائب والرسوم وتعزيز كفاءة التحصيل.
ويُظهر التقرير السنوي للرؤية نمو الإيرادات غير النفطية من 49.5 مليار دولار في 2016 إلى نحو 134 مليار دولار في 2024، في مؤشر على نجاح السياسة المالية في تقليص الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل العام.
وفي هذا الإطار، شدد وزير المالية محمد الجدعان في مناسبات عدة على أن رؤية 2030 لا تستهدف الاستغناء عن النفط، بل تعظيم الاستفادة منه كمورد استراتيجي، بالتوازي مع بناء اقتصاد قادر على توليد إيرادات غير نفطية كافية لتغطية المصروفات، مع استثمار الفوائض لصالح الأجيال المقبلة.
السياحة.. من قطاع ناشئ إلى رافعة للنمو
في السياق ذاته، تُعد السياحة واحدة من أبرز قصص التحول الاقتصادي في المملكة خلال السنوات الأخيرة.
فقد ارتفعت مساهمة القطاع في الاقتصاد السعودي إلى 5%، مقارنةً بـ3% فقط في 2019، مع استهداف رفع هذه النسبة إلى 10% بحلول عام 2030.
كما ارتفع عدد الزوار الدوليين من نحو 5 ملايين إلى أكثر من 30 مليوناً، في وقت تستهدف فيه المملكة الوصول إلى 50 مليون سائح دولي بحلول نهاية العقد.
ويعكس هذا النمو توسعاً واضحاً في البنية التحتية السياحية، وتطوراً في البيئة التنظيمية، إلى جانب الانفتاح الكبير على الأسواق العالمية؛ بما يجعل السياحة أحد الأعمدة الأساسية لتنويع الاقتصاد السعودي.
الذكاء الاصطناعي والتقنية.. رهان المستقبل
بموازاة ذلك، تراهن المملكة على قطاعات المستقبل، وفي مقدمتها التقنية والذكاء الاصطناعي، في إطار سعيها للتحول إلى مركز إقليمي وعالمي في الاقتصاد الرقمي.
وتشير تقديرات مؤسسة برايس ووتر هاوس، إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم بأكثر من 135 مليار دولار في الاقتصاد السعودي بحلول عام 2030؛ بما يعادل 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي؛ وهو ما يضع المملكة بين أكبر المستفيدين من هذه التقنية في المنطقة.
ويأتي هذا التوجه مدعوماً باستثمارات متنامية في البنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، والخدمات السحابية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحكومية والخاصة.
الصندوق السيادي يدفع التحول
من جانبه، يلعب صندوق الاستثمارات العامة دوراً محورياً في تسريع هذا التحول، من خلال توجيه الاستثمارات إلى قطاعات استراتيجية داخل المملكة وخارجها، والمساهمة في بناء منظومات اقتصادية جديدة.
ويؤكد الصندوق أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقالاً من بناء القطاعات إلى تكامل المنظومات الاقتصادية؛ بما يضع القطاع الخاص في موقع الشريك في صناعة القيمة؛ لا مجرد منفذ للمشروعات.
وفي هذا السياق، أعلن محافظ الصندوق ياسر الرميان أن منصة القطاع الخاص التابعة للصندوق أتاحت أكثر من 190 فرصة استثمارية تتجاوز قيمتها 40 مليار ريال، عبر شراكات دولية وتوطين سلاسل الإمداد، في خطوة تعكس تعميق دور القطاع الخاص في قيادة النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
القطاع الخاص.. من التنفيذ إلى الشراكة في القيمة
وتعوّل الحكومة السعودية بصورة كبيرة على القطاع الخاص ليكون المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، في إطار مستهدف رفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 65% بحلول عام 2030.
ووفق التقرير السنوي للرؤية، وصلت مساهمة القطاع الخاص إلى 47% في الربع الثالث من 2024، متجاوزة المستهدف المرحلي البالغ 46%؛ بما يعكس تسارع وتيرة تمكينه داخل الاقتصاد الوطني.
وتشير التوجهات الحكومية إلى أن السنوات المقبلة ستشهد إعادة صياغة لقواعد المنافسة داخل المملكة؛ مدفوعة بتحولات عميقة في نماذج الأعمال، والذكاء الاصطناعي، وأسواق رأس المال، وتوطين المحتوى، وسلاسل الإمداد، وهي متغيرات تفتح المجال أمام القطاع الخاص للانتقال من دور المنفذ إلى شريك فعلي في خلق القيمة الاقتصادية.
الصادرات غير النفطية.. مؤشرات صعود متواصل
في موازاة هذا التحول، تواصل الصادرات السعودية غير النفطية تسجيل أداء قوي؛ مدفوعة بتوسع قاعدة الإنتاج المحلي، وارتفاع تنافسية السلع والخدمات السعودية، ونمو أنشطة إعادة التصدير والخدمات اللوجستية.
ويعكس هذا المسار نجاح الجهود الرامية إلى بناء اقتصاد أكثر انفتاحاً على التجارة العالمية، وأقل حساسية لتقلبات أسواق الطاقة.
وارتفعت صادرات المملكة العربية السعودية غير النفطية بنسبة 15% خلال العام الماضي لتسجل 624 مليار ريال مقارنةً بـ 543 مليار ريال في 2024.
وقفزت مساهمتها في إجمالي صادرات المملكة إلى 44% مقابل 39% في العام السابق؛ وهو أعلى مستوى تاريخي، فيما جاءت المملكة أعلى دول مجموعة العشرين من حيث نسبة النمو وفق أحدث البيانات العالمية؛ وفقاً لوكالة الأنباء السعودية.
ويأتي هذا الأداء امتداداً لمسار تصاعدي خلال الأعوام السابقة؛ إذ ارتفعت قيمة الصادرات غير النفطية من 325 مليار ريال في 2021م إلى 468 مليار ريال في 2022م، ثم 477 مليار ريال في 2023م، و543 مليار ريال في 2024م؛ وصولاً إلى 624 مليار ريال في 2025م، وارتفعت نسبة مساهمتها من 30% إلى 44% خلال الفترة ذاتها؛ بما يعكس تسارع وتيرة تنويع الاقتصاد الوطني.
وفي إطار هذا النمو، توزّع الأداء عبر ثلاثة قطاعات رئيسية شكّلت محركات هذا الارتفاع، حيث بلغت صادرات السلع غير النفطية 225 مليار ريال في 2025م مقارنةً بـ 217 مليار ريال في 2024م، بنمو سنوي قدره 4%.
وجاء ذلك مدعوماً بشكل رئيسي بصادرات السلع غير البتروكيماوية التي سجلت مستوى قياسياً بلغ 78 مليار ريال مقابل 70 مليار ريال في 2024م، بنمو بلغ 12%؛ لترتفع حصتها من إجمالي صادرات السلع غير النفطية من 32% في 2024م إلى 35% في 2025م.
الطاقة… خفض حرق النفط وتوسيع البدائل
وفي ملف الطاقة، تتحرك المملكة بالتوازي لتقليص استخدام النفط الخام في توليد الكهرباء، والتوسع في مصادر الطاقة البديلة، ضمن مسار يهدف إلى رفع كفاءة الاستهلاك المحلي، وتحرير كميات أكبر من النفط للاستخدامات ذات القيمة الأعلى، سواء في التصدير أو الصناعات التحويلية.
ويأتي ذلك ضمن توجه أشمل يعزز استدامة منظومة الطاقة، ويدعم التحول الاقتصادي على المدى الطويل.