المركزي المصري أمام اختبار التضخم والوقود.. لماذا يتقدم سيناريو تثبيت الفائدة؟

القاهرة - مباشر: تترقب الأسواق اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، المقرر عقده يوم 24 سبتمبر الجاري، وسط تراجع معدلات التضخم، مقابل استمرار عدد من الضغوط التي قد تدفع البنك المركزي إلى التريث قبل استئناف دورة خفض أسعار الفائدة.

ويرجح خبراء اقتصاديون أن يبقي البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير خلال الاجتماع المقبل، عند 19% لسعر عائد الإيداع، و20% للإقراض، و19.5% لسعر العملية الرئيسية وسعري الائتمان والخصم.

وكان البنك المركزي المصري قد قرر تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعات مايو ويوليو وأغسطس، بعد خفضها بواقع 100 نقطة أساس خلال فبراير الماضي، وفقاً لوكالة أنباء الشرق الأوسط.

ويأتي القرار المرتقب في ظل موازنة البنك المركزي بين هدفين رئيسيين؛ أولهما السيطرة على التضخم والحفاظ على استقرار سوق الصرف، والثاني خفض تكلفة التمويل ودعم الاستثمار الخاص والنشاط الاقتصادي.

ولا يرتبط قرار السياسة النقدية بالبيانات الحالية فقط، وإنما بدرجة كبيرة بتوقعات التضخم خلال الفترة المقبلة، ومدى قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات المحتملة.

التثبيت السيناريو الأرجح في سبتمبر

قال محمد معيط، رئيس قطاع البحوث في إحدى شركات الوساطة، إن سيناريو تثبيت أسعار الفائدة يظل الأكثر ترجيحًا في اجتماع لجنة السياسة النقدية المقبل، في ظل التراجع الأخير في معدلات التضخم.

وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط نتيجة تجدد التوترات في منطقتي مضيق هرمز وباب المندب قد يؤدي إلى إبطاء وتيرة خفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وأوروبا، بفعل الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة.

وأشار إلى أن ذلك قد يحد من مساحة الحركة المتاحة أمام البنك المركزي المصري، خاصة أن أسعار النفط تمثل عاملًا مؤثرًا في فاتورة الواردات، ومعدلات التضخم، وسوق الصرف.

ويرى أن البنك المركزي سيحتاج إلى التحرك بصورة تدريجية وحذرة خلال الفترة المقبلة، موضحًا أن سيناريو رفع أسعار الفائدة ليس مطروحًا في الوقت الحالي، بينما يظل التثبيت هو الخطوة الأقرب، يعقبه خفض تدريجي للفائدة إذا سمحت التطورات الاقتصادية بذلك.

"فيتش سوليوشنز": تثبيت الفائدة حتى نهاية 2026

وتتوقع «فيتش سوليوشنز» أن يبقي البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية عام 2026، على أن تبدأ دورة خفض أكثر وضوحًا خلال عام 2027 بإجمالي خفض قد يصل إلى نحو 400 نقطة أساس.

وترى المؤسسة أن قرار التثبيت يعكس حاجة البنك المركزي إلى التأكد من استمرار انخفاض الضغوط التضخمية، بالتزامن مع الحفاظ على استقرار سوق الصرف.

وبحسب السيناريو الأساسي لـ«فيتش سوليوشنز»، فإنه حتى إذا ارتفعت أسعار الوقود خلال سبتمبر، فإن التوصل إلى اتفاق بنهاية الشهر قد يسهم في تخفيف الضغوط على سوق الصرف، بما يسمح بمزيد من التيسير النقدي خلال عام 2027.

خفض الفائدة لدعم الاقتراض والاستثمار

وتشير «فيتش سوليوشنز» إلى أن خفض أسعار الفائدة سيكون ضروريًا لتقليل تكلفة الاقتراض الحكومي ودعم النمو الاقتصادي، في ظل ارتفاع أسعار الفائدة الاسمية وارتفاع تكلفة الاقتراض المصرفي.

ويحتاج الاقتصاد المصري إلى قدر كبير من التيسير النقدي لتنشيط الائتمان الموجه إلى القطاع الخاص وتحفيز الإنفاق الرأسمالي والاستثمارات، وهو ما يجعل دورة خفض الفائدة عاملًا مهمًا في دعم النمو خلال المرحلة المقبلة.

التضخم الأساسي يفرض الحذر على "المركزي"

وقال الخبير الاقتصادي محمود شعالان إن معدل التضخم السنوي في المدن المصرية تراجع إلى 14.5% خلال أغسطس، مقابل 14.9% في يوليو، بينما ارتفع معدل التضخم الأساسي إلى 14.9% مقابل 14.7% خلال الفترة نفسها.

وأوضح أن ارتفاع التضخم الأساسي يمثل عاملًا يدفع البنك المركزي إلى مزيد من الحذر عند اتخاذ قرار الفائدة، رغم تراجع التضخم العام.

وأشار إلى أن أي تغييرات في أسعار الوقود قد تنعكس على تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، بما قد يؤدي إلى ظهور ضغوط تضخمية جديدة خلال الفترة المقبلة.

وكان البنك المركزي قد أشار خلال اجتماعه الأخير إلى عدد من المخاطر الصعودية التي قد تؤثر على مسار التضخم، من بينها التطورات الجيوسياسية، وأسعار الطاقة العالمية، واحتمال أن تكون آثار تشديد السياسة المالية أقوى من المتوقع.

استقرار الجنيه وارتفاع الاحتياطيات يمنحان مساحة للخفض

وفي المقابل، يرى شعالان أن تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية، واستقرار سوق الصرف، وارتفاع الاحتياطيات الدولية، كلها عوامل تمنح البنك المركزي مساحة للتحرك نحو خفض أسعار الفائدة إذا استمر التضخم في مساره النزولي.

وبالتالي، فإن استمرار تحسن المؤشرات المحلية قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من التيسير النقدي، لكن بعد التأكد من استدامة انخفاض التضخم وعدم ظهور ضغوط جديدة على سوق الصرف.

"مورجان ستانلي" يفتح الباب أمام خفض 200 نقطة أساس

وفي سيناريو أكثر تفاؤلًا، يرى «مورجان ستانلي» أن تثبيت أسعار الفائدة لا يزال احتمالًا قائمًا، لكنه لا يستبعد خفضًا يصل إلى 200 نقطة أساس خلال الربع الرابع من عام 2026، إذا انخفض التضخم إلى أقل من 13% اعتبارًا من أكتوبر، مع استمرار تحقيق معدل فائدة حقيقية موجب.

ويختلف هذا السيناريو عن توقعات «فيتش سوليوشنز»، إذ يفتح «مورجان ستانلي» الباب أمام بدء خفض أسعار الفائدة خلال الربع الأخير من العام إذا جاءت بيانات التضخم أفضل من المتوقع.

في المقابل، ترجح «فيتش سوليوشنز» استمرار التثبيت حتى نهاية 2026، على أن تبدأ دورة خفض أكثر وضوحًا في 2027.

ويرتبط تحقق سيناريو خفض الفائدة خلال الربع الرابع باستمرار تحسن معدلات التضخم، واستقرار سوق الصرف، وزيادة تدفقات النقد الأجنبي، وعدم ظهور موجة تضخمية جديدة نتيجة تحركات أسعار الوقود.

الاتجاه متوسط وطويل الأجل نحو الخفض

واتفق الخبير الاقتصادي سمير رؤوف مع توقعات تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل، مشيرًا إلى أن الاتجاه متوسط وطويل الأجل يظل نحو خفض الفائدة، لكن بصورة تدريجية ومدروسة.

وأوضح أن البنك المركزي سيحرص على تجنب خفض سريع قد يؤدي إلى ضغوط على سوق الصرف أو يقلل من جاذبية أدوات الدين المحلية أمام المستثمرين.

وأضاف أنه إذا جاءت معدلات التضخم خلال سبتمبر وأكتوبر أقل من التوقعات، مع استمرار استقرار سوق الصرف وتحسن تدفقات النقد الأجنبي، فقد يصبح خفض أسعار الفائدة خلال الربع الرابع من العام احتمالًا قائمًا.

أما إذا استمرت الضغوط التضخمية أو ارتفعت أسعار الوقود وانعكست على مستويات الأسعار، فقد يتجه البنك المركزي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام.

ارتفاع الفائدة يضغط على الشركات والحكومة

وأشار رؤوف إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة يمثل عبئًا على الشركات والحكومة في ظل ارتفاع تكلفة التمويل، كما يحد من قدرة القطاع الخاص على الحصول على الائتمان وتنفيذ استثمارات جديدة.

وتؤدي تكلفة الاقتراض المرتفعة إلى الحد من قدرة الشركات على التوسع والإنفاق الرأسمالي، وهو ما يجعل خفض الفائدة تدريجيًا عاملًا مهمًا لتحفيز الاستثمار الخاص واستعادة نمو الائتمان.

2027.. عام مرشح لدورة خفض قوية

وتشير التوقعات على المدى المتوسط إلى إمكانية أن يشهد عام 2027 دورة خفض أكثر وضوحًا، قد يصل إجماليها إلى نحو 400 نقطة أساس، إذا استمرت معدلات التضخم في التراجع، واستقر سعر الصرف، وتحسنت تدفقات النقد الأجنبي.

ويعكس ذلك تحولًا تدريجيًا في أولويات السياسة النقدية، من التركيز الأساسي على احتواء التضخم والدفاع عن استقرار سوق الصرف، إلى خفض تكلفة رأس المال ودعم الاستثمار والائتمان والنمو الاقتصادي.

وبناءً على ذلك، يظل اجتماع لجنة السياسة النقدية في 24 سبتمبر محطة مهمة لتحديد اتجاه السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة، مع ترجيح التثبيت في الأجل القريب، مقابل استمرار الرهان على خفض تدريجي لأسعار الفائدة كلما سمحت تطورات التضخم وسوق الصرف وتدفقات النقد الأجنبي بذلك.

مباشر وقت الإدخال: 13-Sep-2026 12:11 (GMT)
مباشر تاريخ أخر تحديث: 13-Sep-2026 13:35 (GMT)